فساد حتى القتل

فساد حتى القتل

فساد حتى القتل

 صوت الإمارات -

فساد حتى القتل

بقلم - سوسن الأبطح

كان لا بد أن يموت فنان مشهور مثل جورج الراسي، كي تتحرك فرقة من وزارة الأشغال، لتكشف على طريق رئيسي قاتل، على الحدود اللبنانية - السورية، وتفكر في اتخاذ إجراءات، تحفظ حياة الناس، علماً بأن الخطورة كانت واضحة للعيان، على مدى سنوات، والأخطاء التقنية لا تغتفر. الأنكى، أن حوادث متكررة وضحايا عدة سبقوا الراسي وقضوا على نفس الحاجز الإسمنتي الذي يتوسط طريقاً سريعاً، يظهر للسائق فجأة، بما لا يسمح له بتدارك الكارثة، ومع ذلك لم يتحرك أحد.

على شاكلة حاجز الموت الإسمنتي هذا الذي لم يحذّر منه بضوء أو يُطلى بلون فوسفوري، ولم توضع أمامه أي دعائم لحماية السائق وتخفيف الصدمة، في حال الارتطام، حواجز أخرى مماثلة متروكة بالعشرات لتصطاد ضحاياها، أشهرها في ظهر البيدر؛ إذ يعوّل المسؤولون، رعاهم الله، على أن العابرين، يفترض أن يحفظوا الطرقات غيباً، ومَن لا يفعل، فهذا ذنبه، وليذهب إلى الجحيم. قد تقابلك، على حين غرّة، إطارات سيارات، سدت بها المجارير الصحية، التي سُرقت أغطيتها. وبالطبع بدل محاسبة سرقة الخردة وتجارها، وسجنهم لما يتسببون فيه من مخاطر للسيارات العابرة، تسد الفجوات بدواليب مستعملة، بانتظار أمر ما. وكل ما في لبنان بات مؤقتاً، وسياسة الترقيع تبدأ من الرأس، ولا تنتهي بتأمين متقطع للقمح، أو البنزين والمازوت. التخطيط للمستقبل حتى القريب، ليس من شيمنا.

جمعية «يازا» لسلامة السير، بحّ صوتها وهي تشير إلى مكامن الخلل على الطرقات، وتلفت إلى ضرورة القيام بإجراءات صغيرة، وغير مكلفة، للحد من عدد الوفيات المتصاعد. في شهر أغسطس (آب) وحده، مات خلال 20 يوماً 42 ضحية، ليتبين أنه الشهر الأكثر دموية. نحن نتحدث عن بلد لا يستطيع أهله دفع سعر البنزين، وانخفض السير بشكل ملحوظ. وللغرابة، كلما قلّ عدد السيارات المتجولة في الشوارع ارتفع عدد الموتى، لأن متعهدي الغفلة، في الأصل وقبل الانهيار، لم يقوموا بعملهم بما يرضي الضمير، فأتت السنوات العجاف، لتكشف عن فساد من نوع آخر، هو الإخلال الفاضح بشروط التلزيم، وسكوت المسؤولين عن المتعهدين، وتدليلهم على حساب المواطنين المساكين. تتكاثر الحفر بسرعة، وتتفتق الطرقات، عن عورات تزفيت شكلي وهشّ، لا يصمد أمام الأمطار وحركة السيارات. لا تريد أن تصدق أن عشرات مليارات الدولارات التي صرفت على البنية التحتية، تبين بعدها بلد بلا مجارير ولا مواصلات عامة، ولا شبكة إنترنت فاعلة، ولا حتى مصارف محترمة، كانت تقدم نفسها، ذات يوم، كفخر للصناعة اللبنانية العريقة.

الفساد يفقر، لكنه يقتل أيضاً، وإذا أضفت إليه اللامبالاة، تصبح في وضع لا تحسد عليه. غالبية الشوارع بحاجة إلى قليل من الطلاء الفوسفوري الذي يدلك على جانب الطريق، أو منتصفه. قليل من الدهان قد يحميك من النزول إلى وادٍ سحيق، أو ينقذك من عمود كهربائي. توفير حياة بسطل طلاء، أمر يستحق التحرك من أجله. ليست المهمة شاقة إلى هذا الحد!

الإضرار بالمواطنين وتعذيبهم، يبدو كأنه متعمد، هذا شعور سائد عند عامة الناس؛ إذ كيف يتمكن كائن عند زاوية الحي يملك مولداً متواضعاً ومتهالكاً، أن يحصل على المازوت حين يشاء، ويزود السكان بالكهرباء، ولا تستطيع دولة لها معامل وقدرات أن تشتري المادة نفسها، مع أن بإمكانها لو فعلت أن توفّر التيار الكهربائي بنصف السعر، ولا تفعل. أكثر من 250 دولاراً تدفع العائلة الواحدة مقابل عشر ساعات كهرباء، هي تكلفة تفوق ما تدفعه عائلة بريطانية متوسطة لتنعم بدفء الشتاء، والكهرباء بلا انقطاع.

لا يشتكي الأهالي، بالقدر الكافي، من دخان المولدات التي تنفث سرطانها في أجسادهم. منشغلون هم الآن بتدبير ربطة الخبز، وحطب الشتاء، وحاجتهم من الماء، لكن أقسام العلاج الكيميائي في المستشفيات الكبرى، تشي بكارثة الأعداد الغفيرة للمصابين وصغر أعمارهم. بالطبع ليس هذا وقت البحث، فمصيبة تحجب أخرى، والضوء يسلط الآن، على مأساة حرمان من يعانون النزع الأخير من مادة المورفين، التي تسمح لهم بأن يرحلوا بشيء من هدوء وسلام. حتى المورفين استكثروه على العباد، وتوقفوا عن استيراده بحجة شح الدولار. كيف لبلد صغير، يتجاوز مصروف السياح على أرضه ثلاثة مليارات دولار في شهرين، تقرر دولته أن تبقى خارج دورته الاقتصادية، تعطّل مرافقها، تشل مشروعاتها، وتنتظر التسوّل من هنا، ومنّة تافهة من صندوق النقد الدولي.

الدواء ترف، والمستشفيات نعمة لا يحظى بها سوى المقتدرين، بعد أن أفرغت صناديق التأمين من محتواها، وتركت اسماً بلا معنى ولا وظيفة.هذه ليست مقالة لبث الشكوى وبعث الألم في النفوس، بل فقط للقول إن موت نجم بحادث سيارة ألقى الضوء على كارثة الطرق، التي تذكّر بما كانت عليه حال البلاد بعد الحرب الأهلية. مع أن لا شيء يبرر تقاعس المسؤولين عن القيام بواجباتهم، ولا برود الحكومة عن الإسراع بإجراءاتها، سوى أن يكون المواطن مستهدفاً بحياته ورزقه وأولاده؛ حيث يضطر الأبناء للهرب من الفاقة والبطالة، وتستمر البنوك في نهش أموال المودعين بمنتهى الصفاقة، وتتفرج الدولة على مواطنيها عراة إلا من صبرهم الذي لا ينفد. وهذا لعمري من عجائب الدنيا.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

فساد حتى القتل فساد حتى القتل



GMT 02:30 2022 الأربعاء ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

السادة الرؤساء وسيدات الهامش

GMT 02:28 2022 الأربعاء ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

«وثائق» عن بعض أمراء المؤمنين (10)

GMT 02:27 2022 الأربعاء ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

من يفوز بالطالب: سوق العمل أم التخصص الأكاديمي؟

GMT 02:26 2022 الأربعاء ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

روبرت مالي: التغريدة التي تقول كل شيء

GMT 02:24 2022 الأربعاء ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

السعودية وفشل الضغوط الأميركية

أناقة لافتة لسلمى أبو ضيف بالأبيض والأسود في مختلف المواسم

القاهرة - صوت الإمارات
تُؤكد النجمة سلمى أبو ضيف في كل ظهور حضورها البارز كأيقونة للموضة قادرة على إلهام الكثيرين بخياراتها المتميزة التي تدمج ببراعة بين الكلاسيكية والعصرية، ولا سيما من خلال اعتمادها الراقي والمبتكر على ثنائية اللونين الأبيض والأسود في مختلف المواسم والمناسبات. تتسم اختيارات سلمى بالجرأة والابتكار، حيث تألقت مؤخراً بإطلالة عصرية تعتمد أسلوب المونوكروم الفاخر، مُرتدية قميصاً أبيض ناصعاً بياقة مرتفعة وعريضة تنسدل منه أشرطة قماشية انسيابية، مع أكمام واسعة، ونسقته مع معطف قصير من الفرو الأسود الكثيف وبنطال رسمي أسود بقصة مستقيمة وعريضة الخصر. وفي إطار آخر، جمعت بين الطابع الرياضي والأناقة العملية عبر جاكيت بومبر أبيض عاجي من الشامواه الناعم بياقة كلاسيكية مطوية وأكمام منتفخة واسعة تنتهي بأساور مطاطية مع جيوب جانبية بارزة بقل...المزيد

GMT 15:28 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

ملامح مشتركة وأناقة متقاربة تجمع إطلالات منى زكي ومريم الخشت
 صوت الإمارات - ملامح مشتركة وأناقة متقاربة تجمع إطلالات منى زكي ومريم الخشت

GMT 19:05 2026 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

تفتيش منزل إلهان عمر يشعل جدلًا سياسيًا في الولايات المتحدة
 صوت الإمارات - تفتيش منزل إلهان عمر يشعل جدلًا سياسيًا في الولايات المتحدة

GMT 21:26 2025 الثلاثاء ,15 إبريل / نيسان

غارات إسرائيلية على خان يونس وبيت لاهيا

GMT 21:27 2025 الثلاثاء ,15 إبريل / نيسان

غارات أميركية على الجوف ومأرب في اليمن

GMT 23:05 2019 الأحد ,29 كانون الأول / ديسمبر

تعرف على تفاصيل حفلات رأس السنة في مصر 2020

GMT 12:03 2016 الثلاثاء ,02 شباط / فبراير

صدور كتاب الإدارة المالية للمنظمات غير الربحية

GMT 22:57 2018 الجمعة ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

إكرامي يؤكّد رغبة "الأهلي" في التتويج ببطولة أفريقيا

GMT 11:26 2015 السبت ,19 كانون الأول / ديسمبر

هيئة الكهرباء تواصل شرح مبادرتها الذكية "شمس دبي"

GMT 14:45 2015 الخميس ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

وزير الطاقة يفتتح المقر الجديد لشركة "كونوكوفيليبس"

GMT 14:27 2024 الأحد ,11 شباط / فبراير

علاقة مبابي مع باريس سان جيرمان تصل للنهاية

GMT 09:24 2020 الأربعاء ,05 آب / أغسطس

جوارديولا يكشف سنقوم بعمل ممر شرفي لليفربول

GMT 12:24 2018 الإثنين ,26 تشرين الثاني / نوفمبر

منصور بن زايد يبحث العلاقات مع كازاخستان

GMT 13:38 2018 الخميس ,08 تشرين الثاني / نوفمبر

محاكم دبي تعرض خدماتها الذكية في مؤتمر دولي
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates