بقلم: عبد المنعم سعيد
لماذا انشقت حماس على السلطة الوطنية الفلسطينية وأخذت معها غزة لكى تدخل فى خمس حروب متتالية مع إسرائيل، ولم تنته أيا منها إلى تحرير ملليمتر من الأرض الفلسطينية تحت الاحتلال، ولم تأخذ أكثر من احتجاز أسرى أو اختطاف عريف وتكون النتيجة دائما تدميرا كبيرا، وقتلا واسعا للشعب الفلسطينى، وبعد افتتاحية للزغاريد فإن الصراخ بعد ذلك يستدعى القانون الدولى للإنقاذ والتعمير. لم تكن حماس وحدها هى التى قامت بذلك، ولكن فعلت ذلك وحدها أو بالمشاركة جماعة «الجهاد الإسلامى» وفى أوقات انقسمت «فتح» على الانتفاضة الثانية التى باتت مسلحة على خلاف من الانتفاضة السلمية الأولى التى مهدت لإقامة أول مشروعات إقامة الدولة الفلسطينية. ولماذا انشقت اليمن بعيدا عن السلطة الدولية المشروعة، وذهب الحوثيون إلى إقامة دولتهم الخاصة التى تتبع إيران وتهاجم جيرانها من العرب، وتنكل بأهلها فى اليمن؛ بينما هناك بعد الوحدة اليمنية تفكر جماعة اليمن الجنوبية فى استعادة شق الدولة اليمنية مرة أخرى إلى جنوب وشمال. القصة متكررة من جانب جميع الميليشيات فى لبنان والعراق والسودان، وهناك فى ليبيا انقسام قائم ما بين الشرق والغرب. فى كل المناطق العربية هناك من يحمل السلاح بعيدا عن سلطة الدولة، ومن يريد احتكار قرارات الحرب والسلام تحت راية مقاومة لا تقاوم وإنما تقوم فقط على الإيذاء ثم استقبال الضحايا.
الإجابة على السؤال المتكرر ما هو السبب فى ذلك كله؛ اغتصاب سلطة السلاح؛ والقيام بالدور المعطل للسلطة السياسية؛ والقسمة التى تنهى الدولة حتى قبل قيامها؛ هو ضعف الهوية الوطنية للدولة القائمة، والمشروع الوطنى لاستقلال الدولة. ولحسن الحظ أن هناك فى العالم العربى من يفكر بقوة فى دعم الهوية الوطنية؛ وأذكر أنه فى إبريل 2008 طلبت دولة عربية من مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية كيف يمكن دفع الهوية الوطنية للدولة؟ الفكرة وقتها كانت أن «الهوية» تُدرس ولكنها لا تصنع وفى أدب العلوم السياسية كانت «الهوية» مبحثا من مباحث «حداثة» الدولة الوطنية أو Nation State، وهى مسألة يمكن تحليلها بحيث نعرف لماذا أصبح الفرنسيون فرنسيين، ولماذا بات الألمانى ألمانيًا؛ وهل لذلك سمات معينة على الأغلب لا توجد فى دولة مثل أخرى؟ «الهوية» لها جانب «جينى» ثقافى وفكرى يتكون لدى الجماعة أو بلغة اليوم DNA لا يُخترع ولا يُستحدث.
حالة العديد من الدول العربية مثل سوريا، واليمن، والسودان، وفلسطين ولبنان، بدرجة ما العراق، تعيش حالات من الحروب الأهلية أو تعيش على حافتها أو تدخلها فترة وتخرج منها فترات بينما يظللها الخوف من حرب مروعة. فما يحدث فيها من صراعات مسلحة أو التهديد بحدوثها إذا ما نزع السلاح؛ ما هو إلا نتاج حزمة من العناصر المعقدة، ولكن أكثرها أهمية هى ضعف الرابطة الوطنية والهوية المشتركة بين مكونات «شعب» نسجت هويته عبر عقود وقرون جعلته يميز نفسه عن الآخرين، ويرتفع بها مقامه فوق الطائفة والعقيدة والمذهب.