عام الأحزان الكثيرة

عام الأحزان الكثيرة!

عام الأحزان الكثيرة!

 صوت الإمارات -

عام الأحزان الكثيرة

بقلم - عبد المنعم سعيد

فى العادة فإن حصاد الحزن أو السعادة يأتى فى نهاية العام، وسواء كان الحصاد شخصيًّا أو عامًّا فإن حسابه ليس سهلًا، فالحياة خليط ومزيج من أشياء وأمور كثيرة لا يمكن التمييز بينها، وهى كالعادة حمّالة أوجه كما هو الحال فى كتب مقدسة. لكن مشهد مثل ذلك الحريق الذى جرى لكنيسة القديس «أبوسيفين» لابد له أن يهبط ثقيلًا على القلب والعقل معًا ليس فقط بصور الضحايا أو خسارة الجرحى أو ما ترك من ركام تظهر فى داخله أيقونات مدهشة هو فى النهاية خسارة وطنية من الطراز الأول. من الممكن دائمًا أن يحل ذلك كنوع من الاختبار، الذى لا يأتى إلى الأفراد وحدهم، وإنما يحل بالشعوب أيضًا. فى الأمور الشخصية- كفقدان الابن، أو ابنة الصديق «سلمى»، التى كانت تجرى بيننا بسمرتها وابتسامتها الساحرة لاعبة غادية ورائحة- تولد اللوعة التى عرفتها من قبل على أنها حالة ربما لا يعرفها إلا علماء البيولوجيا من الحزن الذى يتفجر على حلقات متتابعة، ويأتى فى شكل موجات لا تعرف متى سوف تهجم عليك فى حالة من الألم والدموع الدافقة والرغبة فى الصراخ. لا يوجد أى تحذير بأن المآقى قد فاض بها الدمع، أو أن القلب بات على وشك الانفجار؛ وإذا كانت كل أمور الإنسان تبدأ من العقل، فما الأوامر والإشارات التى جرت حتى وصلت الأمور إلى هذه الدرجة من الألم المعنوى، والاعتصار الحسى، وتثبيت اللحظة المؤلمة حتى تخال أنك أخذت نصيبك منها فتمر، وتعود الشاشة الإنسانية إلى استئناف حكاية القصة.

الحزن العام يجمع وراءه تكرارية من الإحباط والفشل، ويحتاج قدرًا كبيرًا من الأسف على ما جرى، والتساؤل عما إذا كان ممكنًا أن نصعد إلى قمة الجبل حاملين أقدارنا لكى نُعيد الكَرّة بعد ذلك فى دورية مخيفة كما حدث فى أسطورة إغريقية تتجسد فى التاريخ المصرى على شكل سلسلة من التقدم إلى الأمام لا تلبث أن تتلوها أزمان من الدوران إلى الخلف. ما جرى خلال السنوات القليلة الماضية من تقدم فى مصر خلق فى داخله تلك الحالة من الخوف عما إذا كان ذلك فترة استثنائية وأن تحول البناء فيها إلى ما هو معتاد ومن طبيعة الأشياء لا يجاريه ما فى داخله من نقيض ينفجر عند لحظة ما. هو ما سميته من قبل فى مقال سابق نوعًا من «الكرب»، الذى يأتى من توالى المصائب وتعدد أنواعها، بحيث يصبح من الصعب على العقل تحديد الأولويات والوسائل والأدوات، التى يمكن بها التخلص من الحالة الصعبة، التى تبدو مستعصية على كل شىء. هى حالة يمكن أن تكون عالمية كتلك التى نعايشها الآن، فقد كان معلومًا أن البشرية تواجه أشكالًا من المصائب الصعبة الناجمة من ظاهرة الاحتباس الحرارى، التى ولّدت حالات غير مسبوقة من ارتفاع الحرارة وذوبان القطب الشمالى وأشكالًا عنيفة من الأعاصير، صاحبتها انفجارات غير مسبوقة فى براكين ظهرت خامدة. لم تكن الحرائق والفيضانات التى ألَمّت بكل ذلك مماثلة لما جرى التعود على التعامل معه من قبل، وإنما أصابت مدنًا وقرى بعنف شديد، ترتبت عليه هجرات ولجوء جعلت من الإنسان الذى كان آمنًا ضحية اضطراب الحياة والعيش فى «كرب» بالغ.

الأفراد الراشدون يتعاملون مع اللوعة ليس بالاستسلام لها، وإنما بالكثير من إرادة العمل والبناء والتفكير بأنه لا ينبغى للحظة الذهاب العظمى أن تخفى مآل روعة الحضور إلى الدنيا. الأمم الرشيدة لا تستسلم للكرب مهما كانت طبقاته حتى لو ألَحّت إحباطاته وذنوبه التى أتت بالحريق. وفى الحالتين فإن المراجعة تكون واجبة، ليس فى أمور الله وقدره، وإنما فى الأسباب والأسماء التى تجعل من الممكن استمرار مسيرة الفعل والبناء. «الحرب الأوكرانية» خلقت سلاسل من الكرب، جاءت أولاها من انكسار أشكال من الحكم الذائعة حول دوام السلام العالمى؛ وثانيتها أنها انتقلت من حالة «الأزمة» إلى الصراع المسلح بسرعة كبيرة؛ وثالثتها أنه كامن فى الأزمة تحولها إلى حرب عالمية؛ وفى كل الأحوال رابعًا أنها ما لبثت أن تحولت إلى أزمة اقتصادية عالمية تمس كل دول العالم. تراجع النمو فى الاقتصاد العالمى، ومعه صعدت أسعار الطاقة، ومن بعيد ظهرت أشباح الركود التضخمى للكوكب كله. تراكم الأزمات والمصائب على هذا الشكل منع أشكالًا كثيرة من التعاون الدولى عندما بات واضحًا أن الدوافع «الجيوسياسية» يمكنها أن تتغلب على كل الدوافع الأخرى. ما بين كرب الحرب وكرب الكنيسة لابد من حماية وبناء الوطن، وكذلك العالم.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عام الأحزان الكثيرة عام الأحزان الكثيرة



GMT 02:30 2022 الأربعاء ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

السادة الرؤساء وسيدات الهامش

GMT 02:28 2022 الأربعاء ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

«وثائق» عن بعض أمراء المؤمنين (10)

GMT 02:27 2022 الأربعاء ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

من يفوز بالطالب: سوق العمل أم التخصص الأكاديمي؟

GMT 02:26 2022 الأربعاء ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

روبرت مالي: التغريدة التي تقول كل شيء

GMT 02:24 2022 الأربعاء ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

السعودية وفشل الضغوط الأميركية

GMT 19:57 2026 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

بقائي يرد على ترامب ويؤكد أن واشنطن اعتادت نقض التزاماتها
 صوت الإمارات - بقائي يرد على ترامب ويؤكد أن واشنطن اعتادت نقض التزاماتها

GMT 19:42 2026 الثلاثاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

لقاح جديد لسرطان الجلد يخفض خطر عودة المرض أو الوفاة بنسبة 42%
 صوت الإمارات - لقاح جديد لسرطان الجلد يخفض خطر عودة المرض أو الوفاة بنسبة 42%

GMT 22:41 2026 الأربعاء ,14 تشرين الأول / أكتوبر

عيد القوات الجوية !

GMT 20:41 2020 الثلاثاء ,01 كانون الأول / ديسمبر

تستفيد ماديّاً واجتماعيّاً من بعض التطوّرات

GMT 12:25 2020 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

الضحك والمرح هما من أهم وسائل العيش لحياة أطول

GMT 23:07 2026 الجمعة ,08 أيار / مايو

شاكيرا تطرح أغنية كأس العالم 2026 في 14 مايو

GMT 10:16 2019 الإثنين ,01 إبريل / نيسان

حاذر ارتكاب الأخطاء والوقوع ضحيّة بعض المغرضين

GMT 00:23 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

تتمتع بالنشاط والثقة الكافيين لإكمال مهامك بامتياز

GMT 15:54 2018 السبت ,13 تشرين الأول / أكتوبر

محكمة بريطانية تُدين امرأة مارَست الجنس مع طفل صغير

GMT 00:29 2018 الإثنين ,12 تشرين الثاني / نوفمبر

فاطمة مصطفى تُعرب عن سعادتها بجائزة أفضل إذاعية لعام 2018

GMT 12:33 2019 الأحد ,23 حزيران / يونيو

طُرق تطبيق الديكور البوهيمي في غرف النوم

GMT 18:20 2019 الأربعاء ,25 أيلول / سبتمبر

إيطاليا تستهدف خفض عجز موازنة العام المقبل إلى 2 %
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates