لا ينبغى الاستخفاف بكرة القدم؛ فهى واحدة من آخر اللغات المشتركة التى ما زالت قادرة على جمع الناس حول معنى. نختلف فى السياسة والفكر والأذواق، لكن حين يدخل الملعب «علمُ مصر»، يعلو الانتماء فوق كل التفاصيل والاختلافات.
لم تكن المواجهة بين مصر ونيوزيلندا مجرد مباراة كرة قدم؛ فالمباريات تنتهى مع صافرة الحكم، لكن بعضها يظل يمور داخل الناس آمادًا. تسعون دقيقة أخرجت ملايين المصريين من بيوتهم وهمومهم إلى مساحة أرحب من الحياة؛ مساحة تسمح بالترقب الممزوج بالأمل، والهتاف المجدول بالقلق، والشعور الواثق بأن الفرح ما زال ممكنًا.
فى تلك الليلة، لم تكن الكرة تتواثب فوق عشب الملعب، بل تخفق فى قلوب ملايين المصريين. من مقهى صغير فى قرية، إلى شرفة تطل على النيل، إلى عائلات التفّت حول الشاشات فى المدن المزدحمة، كان خيط خفى يربط الجميع: الرغبة فى انتزاع الفرح.
لا أفهم كثيرًا فى خطط اللعب والمدارس الكروية وتحليل التسلل والركنيات، لكننى أفهم جيدًا ذلك الشعور الإنسانى الماسّ الذى يتسلل إلى القلوب حين تفرح أمة بأكملها فى اللحظة نفسها. فى تلك الليلة، لم تكن مصر تشاهد مباراة، بل كانت تتأمل صورتها منعكسة على صفحة خضراء شاسعة، تتواثب فوقها أحلام الانتصار والرجاء.
وفاز المنتخب المصرى على نيوزيلندا بثلاثة أهداف مقابل هدف. هكذا تقول النتيجة المجردة. لكن الأرقام، على دقتها، تعجز عن رواية الحكاية كاملة. فما حدث لم يكن مجرد ثلاثة أهداف سكنت شباك المنافس، بل ثلاث لحظات شعر فيها المصريون بأنهم يقفون معًا فى صف واحد، وينظرون إلى الاتجاه نفسه.
خطر لى وأنا أتابع المباراة بيتُ «المتنبى»:
«ولم أرَ فى عيوب الناس شيئًا
كنقص القادرين على التمام».
فالأمم، مثل الأفراد، تحتاج بين الحين والآخر إلى من يذكّرها بقدرتها. تحتاج إلى لحظة ترى فيها تلألؤ أجمل ما لديها على وجه الحياة. وحين رأى «المتنبي» فى مصر ما جعله يقول: «ومصرُ الرجالُ وشتى الرجالُ»؛ لم يكن يتحدث عن مباراة كرة قدم، بل عن طاقة بشرية هائلة تختزنها هذه البلد، تظهر كلما أتيحت لها الفرصة.
ثلاثة أهداف سجلها اللاعبون فى شباك نيوزيلندا. أما الهدف الرابع، فقد سجله المصريون فى شباك العزلة التى تفرّق، وفى شباك القلق الذى يثقل الأيام، وفى شباك الاستهانة بالذات، وفى شباك ذلك الشعور القاسى بأن الفرح صار ترفًا. ذاك هو الهدف الذى لا يظهر فى الإحصاءات، ولا تحتسبه الفيفا، ولا يذكره المعلقون. لكنه، فى ظنى، كان أجمل أهداف المباراة.
لأنه الهدف الذى يهزم ذلك الصوت الخافت الذى يهمس للشعوب أحيانًا: «لا تستطيعون. لقد تأخرتم كثيرًا، وسبقكم الآخرون». لكن التاريخ الإنسانى ليس سوى سلسلة من الانتصارات الصغيرة على هذا الصوت الكئيب. وما من شعب نهض إلا بعدما قرر أن يتوقف عن الإصغاء إليه.
لذلك تبدو لحظات الانتصار الجماعى ضرورية للحياة مثل الأكسجين؛ إذ تذكرنا بأن الطريق لم يُغلق بعد، وأن الغد لم يكتب كلمته الأخيرة.
الأمم لا تُبنى بالمباريات وحدها، هذا صحيح. لكنها تُبنى بالثقة التى تولدها الإنجازات، كبيرة كانت أم صغيرة. فالنجاح مُعدٍ، مثل الفرح تمامًا. وحين يرى الطفل المصرى علم بلاده يرتفع، يشعر بالفخر والانتماء. وحين يرى الشاب منتخب بلاده يقاتل حتى النهاية، يتعلم أن الإصرار ليس كلمة جميلة فى كتب التنمية البشرية، بل سلوك عملى يصنع الفرح.
ولا يجوز أن يمر هذا الانتصار من دون تحية للكابتن «حسام حسن»، الذى تحمّل سهام النقد والشكوك، لكنه ظل واقفًا على خط التماس ممسكًا بخيط الحلم. لهذا طالب لاعبيه بين الشوطين بأن يعودوا إلى الملعب بعقلية «المنتصر»، فكان التحول الكبير فى الأداء والنتيجة.
وتحية للاعبين الذين لعبوا باسم بلد عريق، ثقيل الاسم، غزير المجد، اسمه: «مصر». «مصطفى زيكو» الذى وضع هدف التعادل، و«محمد صلاح» الذى قاد العودة التاريخية بهدف، و«محمود حسن تريزيجيه» الذى وضع بصمته فى اللحظة المناسبة فرسم هدف الأمان، و«مصطفى شوبير» الذى حرس مرمانا كأسد غيور على مملكته.
سُجلت الأهداف بأسماء أصحابها، لكن الفوز كُتب باسم فريق كامل؛ رجال تفرقت أدوارهم بين من أحرز، ومن صنع، ومن دافع، ومن وجّه، لينسجوا معًا تلك اللحظة النادرة التى تجعل شعبًا بأكمله يهتف فى الوقت نفسه. وهذا هو الهدّاف الرابع: الجمهور، الذى حمل وطنًا كاملًا إلى المدرجات.
غدًا تُطفأ الشاشات، ويعود الناس إلى مشاغلهم، لكن شيئًا سيبقى، لا يُقاس بالأهداف ولا بالنقاط: ذلك الإحساس الدافئ بأن الأمل عصيّ على الموات، وأن كرة صغيرة تدحرجت فوق عشب بعيد سجلت هدفًا تاريخيًا فى مرمى الاستهانة بالنفس، وأن الأمل، مثل الكرة، يغيّر اتجاهه فى لحظة ليجد طريقه إلى الشباك.