بقلم: فاطمة ناعوت
قبل سبعةٍ وأربعين عامًا، قرّر شاعرٌ عشرينيّ ألا يبحثَ عن كرسيٍّ فى الصف الأول، بل صنع مقعدًا طويلًا ودعا الجميع إلى الجلوس. هذا هو «شعبان يوسف»، ورّاقُ الثقافة المصرية، عرّابُ الأدب والإبداع.
فى أحد أحياء القاهرة القديمة، غرسَ الشاعرُ الشابُّ مع رفيقه المترجم الراحل «فخرى لبيب» شجرةَ زيتون نحيلةً، صارت مع الأيام ورشةً إبداعية وارفةً، أنبتت على مهلٍ ثمارًا يانعة حملت أسماء كبار أدباء وشعراء الوطن العربى من شرقه إلى غربه. فالزيتونُ لا يستعجلُ ثمرَه؛ وإنما يُزهرُ فى صمتٍ، ويتمهّل، ويصبر، ثم يمنحُ ما يسرُّ الناظرين. «ورشة الزيتون الإبداعية»، ذلك المنبر العجيب الذى يجمع بين قمة الثراء وقاع البساطة. ثراءُ القيمة، وبساطةُ المظهر. نشأت بلا تمويل ولا بطاقات دعوة، ولا منصّاتٍ عالية، ويافطات دعاية. شرطها الأوحد: أن تكون مبدعًا حقيقيًّا، وفقط، فيُفتح لك بابُها. منذ قرابة نصف القرن، يدخل بابَ الزيتون شعراءُ صغارٌ، بأوراق مرتجفة، وقصائدَ لم يقرأها أحد، ويخرجون منها وقد قُرِئوا وسُمِعوا وتعلّموا وصاروا نجومًا.
«شعبان يوسف»، هو ورّاقُ الثقافة المصرية الذى انحاز دومًا إلى المنسيين. إلى أسماء كادت تسقط من الذاكرة لأن أحدًا لم يمدّ إليها يدًا ولا أعارها أذنًا. فالورّاق يعرف سرًّا قديمًا: أن الهامش قد يكون أثمنَ من المتن.
مع تعاقب العقود، لم تعد شجرةُ الزيتون، مجرد ورشة إبداعية تقدم الندوات الأسبوعية المنتظمة، بل صارت حرفة ثقافية. والحِرفة هنا ليست كلمة صغيرة. الحرفة تعنى أن تقرأ وتبحث وتنتقى النقاد والمتحدثين، وتداوم على الحضور، وتناقش وتتحمل الاختلاف. ولأنه لا يكلُّ من احتراف صناعة النجوم، أضاف إلى شجرة الزيتون ندوة الدستور الشهرية، لتكتمل هالةُ البهاء.
قرابة العقود الخمسة والزيتون يُثمر والورشة تفتح أبوابها، ليمرّ منها مبدعون طبّق صيتهم الآفاق: جمال الغيطاني، محمد سلماوي، جابر عصفور، سلوى بكر، فتحى إمبابي، يوسف أبو رية، حلمى سالم، بهاء طاهر، يوسف القعيد، وسعيد الكفراوى وغيرهم الكثير ممن تضيق عنهم سطور الجريدة.
حصد «شعبان يوسف» من صنوف الثقافة والإبداع الشيءَ الكثير. شاعرٌ وناقدٌ ومؤرخٌ، وكأنه مؤسسة ثقافية مكتملة. ولستُ هنا بصدد تعداد دواوينه وكتبه وأبحاثه، ولا بصدد رسم بورتريه ثقافى لرجلٍ أفنى أكثر من نصف قرن وهو يُطاردُ المعرفة ويُفتّش فى بطون الكتب والمراجع والدوريات القديمة، وينفض الغبار عن المطمور من خفايا أعلام كبار مبدعينا لنعرف المسكوت عنه من أسرار إبداعهم وشقواتهم وجروحهم وهزائمهم، ومكائدهم الإبداعية كذلك. ظل يرسمُ خرائط للمبدعين حتى صار هو أحد خرائط مصر الثقافية. من العسير أن تتكلم عن هذا الرجل بتعداد قائمة مؤلفاته وسيرته الذاتية وتعدّد مواهبه، فقد تخطّى الألقاب ليصيرَ «حالة ثقافية مصرية كاملة».
والمدهشُ أن هذا الرجل، الذى احترف إضاءة النجوم، عازفٌ عن الضوء. لم يسعَ طيلة حياته لجائزة. وحين رُشّح اسمه فى القائمة القصيرة لجائزة الدولة التقديرية فى الآداب عام ٢٠٢٦، رقصت قلوبنا فرحًا. فتكريم «شعبان يوسف» ليس تكريمًا لشخص، بل تكريمٌ لفكرة العمل الثقافى الجاد والمحترم والمسؤول، وكان فوزه بها سيكون إضافةً حقيقية لقيمة تلك الجائزة. والحقُّ أن هذا الشاعر الجميل قد فاز بالفعل بعديد الجوائز، من تلك التى يذكرها التاريخُ ولا يُسقطها الزمن. جوائزُ لا تمنحها لجانٌ، ولا يتنافس فيها متنافسون. جائزة صناعة الأثر: أن صار لكل مبدعٍ، مصريًا كان أو عربيًا، دَينٌ فى عنقه لشجرة الزيتون التى غرسها الشاعرُ قبل نصف قرن. وسام استحقاق العشق والاحترام من جماعة الأدباء والشعراء، وهو تاجٌ لا يُشترى ولا يُورَّث. ميدالية الإنقاذ؛ لأسماءَ كادت تغيب عن المشهد لولا قلمه الذى أعادها إلى الضوء. خاتمُ الذاكرة: لأنه حفظ ما كاد يضيع من تاريخ الأدب المصري، ودوّنه كى لا يُنسى. درع الاستمرار من الطبقة الأولى: أن تظلّ شجرته وارفة مثمرة عقودًا دون انقطاع، فيما ذبُلت من حولها أشجارٌ بدأت صاخبةً. قلادةُ الأذن الصاغية: إذ أنصت إلى من لم يُنصت إليهم أحد. نيشانُ الباب المفتوح: لأن باب حديقته لم يُغلق مرةً فى وجه موهبة، ولا سأل القادم عن اسمه. كأسُ الإنصاف: لشاعراتٍ وكاتباتٍ من المهمشات، أخرجهن من عتمة الصمت إلى منصّة الكلام.
وعليّ أن أذكر بكل امتنان أن شجرة الزيتون فتحت بابَها لقصائدي، قبل أن أطبع ديوانًا واحدًا، وأنصت إلى صوتى الخجول وناقشت مخطوطة ديوانى الأول قبل ربع قرن. لهذا الرجل جميلٌ فى عنقي، عصيٌّ على الرد والوفاء، فشكرًا «شعبان يوسف».
مقام السؤال:
لماذا ننتظر أن تُنهكَ الأشجارُ من سنوات العطاء وثِقل الثمر، كى نلتفتَ إلى من غرسَها فى صمتٍ وسقاها؟ شكرًا للغارسين أشجارهم.