بقلم:أمينة خيري
أحياناً تحدث وقائع أو أحداث تبدو صغيرة، لكنها أهميتها تكمن فى أنها تذكرنا بما نحن عنه ساهون أو متساهون. سيدة المطعم، الملقبة واقعتها عن جدارة بـ«غزوة المطعم»، والتى أثنت عليها إحدى صديقاتها، والنتائج المتمثلة فى إعلان المطعم تخصيص أماكن للصلاة فى فروعه، بقولها: «حبيبتى ما حدث هو فتح مبين»، مجرد واقعة صغيرة تذكرنا بأننا لم نجدد، وننقح، أو نطهر الخطاب الدينى الذى طالب به الرئيس مراراً وتكراراً، وحلم بها الناجون من «الصحوة» المظهرية التى أتت على الدين الوسطى، وأمسكت بتلابيب كل ما هو كريه ومتطرف ومتشدد.
أقول إننا فعلنا العكس. من ينظر إلى الشارع المصرى اليوم ويقارنه بما كان عليه قبل عقد أو عقدين أو ثلاثة، يرى أنه بات أكثر تطرفاً مظهرياً، وتشدداً فكرياً (مع التحفظ على كلمة فكر) حيث يبدأ وينتهى بتوليفة من الأفكار التى تم حشوها فى الأدمغة والتى يتعلق جميعها بتفسيرات جامدة وضعها بشر وثقافة دينية تدور من ألفها إلى يائها حول المظهر والجمود والرؤية المحدودة للدنيا الواسعة والآخرين بمن فيهم المسلمين ممن فلتوا من قبضة صحوة السبعينيات، التى يعاد تجديدها وتدويرها بقدر أكبر من السطحية، ولكن بحشو أوفر من التطرف والانغلاق والقسوة.
جددنا الخطاب الدينى؟ أشك بقوة. وزارة الأوقاف بين عامى ٢٠١٣ و٢٠٢٤ قامت بجهد كبير وملحوظ وملموس، لا سيما فى التعامل مع متلازمة كثرة عدد الميكروفونات أعلى المساجد والصوت العالى واعتبار ذلك دلالة على التدين ووسيلة لنشر الدين، ومحتوى خطبة الجمعة، حيث توقف الدعاء على غير المسلمين، والصراخ من على المنابر نصرة للدين، والغرق فى التاريخ على حساب الجغرافيا والمنطق والمجتمع والعلم، ووقف مهزلة الزوايا التى يعتبرها أمراء تجديد «الصحوة» السبعينياتية وسيلة لمحاربة الكفار وإعلاء راية الإسلام، حتى لو كان بين الزاوية المبنية بعرض الرصيف تقع بين مسجدين، وغيرها.
ويبدو أن ذلك كان من أبرز أسباب عدم شعبية وزير الأوقاف السابق المحترم الدكتور مختار جمعة بين فئات عدة فى المجتمع، وربما فى داخل المؤسسات الدينية الرسمية. سارت وزارة الأوقاف عكس تيار الخطاب الدينى المظهرى المتشدد السطحى العنيف. وربما أيضاً كان من الممكن أن يُكتب لهذه المحاولة المحترمة قدراً أوفر من النجاح لو كانت رؤية الدولة قد تبلورت، وتشكلت، وتحددت فى مشروع «ثقافى» كبير، تعمل فيها وزارات وهيئات ومنظمات مجتمع مدنى ومدارس وجامعات ونوادٍ ومراكز شباب وإعلام تحت مظلة واحدة اسمها «تصحيح مسار العقل المصرى» أو «إعادة الاعتبار للثقافة المصرية» أو «إصلاح وترميم الفكر المصرى» أو غيرها، من مسميات تعكس محتوى متكاملا.
ومع كامل الاحترام لكل المؤسسات ومن فيها من أفراد، لا يعقل أبداً أن يقوم بإصلاح المبنى المتصدع من لعب دوراً بارزاً فى تصدعه، أو على الأقل لا تتواجد معه هيئة كاملة من المهندسين والمعماريين أصحاب الخبرات المحترمة فى إصلاح ما تصدع من فكر وثقافة وإنسانية.. وللحديث بقية.