بقلم:د. وحيد عبدالمجيد
لم يكن نيكولو مكيافيلى المفكر الوحيد الذى رأى أن العالم لا يختلف عن الغابة. يعرف تاريخ الفكر السياسى مفكرين آخرين ذهبوا إلى ما ذهب إليه مكيافيلى. ومن أهمهم المفكر الإنجليزى توماس هوبز (1588-1679) صاحب كتاب «الليفياثان» المشهور الصادر عام 1651، والذى قدم فيه رؤية لكيفية ردع النزعات الشديدة لدى البشر عن طريق سلطة مركزية قوية. فالحاكم عند هوبز لا يختلف عن الأمير عند مكيافيلى إلا فى التفاصيل، وهى كثيرة بطبيعة الحال.
فقد كتب مكيافيلى كتابه «الأمير» متأثرًا بالصراع بين الدويلات أو الإمارات الإيطالية التى حلم بحاكم قوى لإحداها يقوم بتوحيدها واستعادة أمجاد الامبراطورية الرومانية.
أما هوبز فقد كتب كتابه «الليفياثان» متأثرًا بالحرب الأهلية الإنجليزية (1642-1651) التى رأى أنها وليدة حالة سماَّها حرب الكُل ضد الكُل، وأنه لا سبيل إلى إنهائها وعدم نشوب مثلها مجددًا إلا عن طريق سلطة قوية باطشة تشبه الكائن البحرى الخرافى الذى له رأس تنين وجسد أفعى. وليس بلا مغزى اختياره هذا الكائن «الليفياثان» عنوانًا لكتابه.
وإذا كان هوبز لجأ إلى أسطورة لتوضيح فكرته عن الحاجة إلى حاكم قوى باطش يضع حدًا للحرب الأهلية، فقد غاص مكيافيلى فى عالم الغابة، الذى لا يختلف عنده عن عالم البشر.
ومن أهم ما طرحه مكيافيلى فى هذا المجال أن الحاكم الجيد أو القوى يتعلم من حيوانين هما الثعلب والأسد، وليس من أحدهما فقط. فعليه أن يتعلم من الثعلب كيف يكشف الأفخاخ ويستخدم ذكاءه للبقاء، وأن يتعلم من الأسد كيف يستخدم قوته وشجاعته للقتال، ولتخويف الثعلب فى الوقت نفسه.
فلا يكفى، حسب رؤية مكيافيلى، أن يكون الحاكم قويًا مثل الأسد. فالحاكم الذى يتصرف مثل الأسد طول الوقت لا يعدو أن يكون من البلهاء. كما لا يفيد الحاكم أن يكون مثل الثعلب فقط لأن الحكم فى «غابة البشر» يحتاج إلى القوة الباطشة كحاجته إلى الذكاء والمكر.