بقلم:أمينة خيري
فى تناولى قبل الأخير لمسألة «انفصال الشارع»، أكرر الإشارة إلى أهمية سماع الشارع، قبل السوشيال ميديا، وما يدور فيه. والمقصود بالشارع ليس شارعاً بعينه فى القاهرة أو الإسكندرية، بل فى سائر مدن وقرى مصر من أحاديث وهموم وآمال وإحباطات. والمقصود بـ«سماع» ليس التلصص أو التصنت عليه، لكن معرفة ما يدور عبر قنوات تواصل واتصال منظمة ومنتظمة، ومستشارين لمختلف المسؤولين منزهين عن الأغراض موثوقين فى قدراتهم ومعارفهم، كل فى مجاله، والأهم من ذلك من غير المتلهفين على البقاء فى المناصب أو إرضاء «المدير» حتى ولو كان بإخباره بربع الحقيقة أو نصفها أو حتى كلها، ولكن بعد تجميلها.
وكان يفترض أن يكون الإعلام المهنى المحترف ذو المصداقية والكفاءة والموضوعية أحد أهم سبل نقل نبض الشارع وأوجاعه، وهو ما تغير كثيراً. جزء من التغيير حدث رغماً عنه بفعل الثورة الرقمية وهيمنة السوشيال ميديا الزاعقة الساخنة الصاخبة، وأحياناً بلا قيمة حقيقية، بالإضافة إلى دس السموم فى مختلف أنواع العسل، وهو ما يجعل اعتبارها وسيلة قياس موثوقة وحدها مخاطرة.
إحدى الميزات الكبرى والكثيرة فى المجتمع المصرى هو أن هموم المصريين التى فى قلوبهم على ألسنتهم، بشكل أو بآخر، ولا يفهمها إلا المصرى المحنك، لأن «الحمد لله فى نعمة» لا تعنى بالضرورة السعادة والرفاه والغرق فى بحبوحة وترف ورفاهية، بقدر ما تعنى رضا تاريخياً وصبراً ينافس أيوب. كما أن سخرية «هعوز إيه أكتر من كده؟!» لا يجب أن تؤخذ مأخذ الجد بقدر ما هى مولودة من رحم الهزل.
إنجازات كثيرة عظيمة تحققت؟ نعم، بكل تأكيد، لكن العديد من القضايا المفتاحية المحورية معلقة فى الهواء، فلا هى تحسنت، ولا يتم تناولها – بحسب من يعيشونها ويعاشونها- بالطريقة المقنعة بالقدر الكافى.
التوليفة المتشابكة من الضغوط الاقتصادية والديموغرافية والبيئية يتم التعامل معها شعبياً باعتبارها ضغطاً مزمناً متفاقماً متشعباً اسمه الضغط الاقتصادى. تحليل نبض الشارع وأوجاعه ليس بالأمر الهين فى أى بلد، لكنه يصبح أكثر سهولة فى دول تترسخ لديها منظومة قياسات رأى عام راسخة، وأن يظل بعضها واقعاً فى دائرة التسييس، ولكن ما يشفع لها هو تعددها، أى أن القياسات التى قد تشوبها شبهة الميل إلى اليمين تقابلها أخرى تميل إلى اليسار، وحين تقع فى فخ عدم التمثيل الكافى، تتواجد أكثر بتمثيل كافٍ جداً، وهكذا.
لدينا الأدوات والكوادر البشرية الرائعة القادرة على الخروج بقياسات بالغة الأهمية فيما يختص بالرأى العام، وأذكر منها أبرزها وهو مركز «بصيرة» ورئيسه الدكتور ماجد عثمان. ولا نحتاج سوى إطلاق يد مثل هذه المراكز لتخبرنا بنبض الشارع، نبض سائقى موتوسيكلات الدليفرى ولماذا حولوا شوارعنا إلى حرب عالمية، نبض الطبقة المتوسطة وهمومها المتجاهلة، نبض الطبقات الأكثر احتياجاً وسبب عدم شعورها الكافى بالجهود المبذولة لها، نبض نساء مصر والردة الشديدة فى أوضاعهن بسبب خطاب دينى وثقافى متنازع عليه، وللحديث بقية أخيرة.