حرب إسقاط المفاهيم

حرب إسقاط المفاهيم

حرب إسقاط المفاهيم

 صوت الإمارات -

حرب إسقاط المفاهيم

بقلم : سليمان جودة

لا سقف لما سوف يقال عن حرب إسرائيل على غزة، التي لما دخلت عامها الثاني في السابع من الشهر الجاري، انتقلت من جبهة الجنوب في فلسطين إلى جبهة الشمال في لبنان.

ولكن من بين ما سوف يقال عنها إنها حرب إسقاط المفاهيم في المنطقة وفي العالم، لأنه لا يوجد مفهوم من المفاهيم المتعارف عليها في الحروب إلا وسقط فيها تقريباً، وإلا وأصبح في حاجة إلى إعادة تعريفه من جديد.

من بين هذه المفاهيم على سبيل المثال مفهوم حقوق الإنسان، التي حظيت بمواثيق تحميها إذا ما قامت حرب بين دولتين. ففي الحروب يكون الإنسان هو الوقود في العادة، ولذلك، كانت تجربة الدول مع الحروب كفيلة تاريخياً بأن تضع ما يحمي الحدود الدنيا من هذه الحقوق.

وإذا شئنا قلنا إن الميثاق الأول في هذا السياق هو حديث الرسول (عليه الصلاة والسلام)، الذي كان إذا أرسل جيشاً إلى حرب راح يوصيه ويقول: «لا تقتلوا طفلاً، ولا امرأة، ولا شيخاً، ولا تحرقوا شجرة».

ومن الجائز أن يبادر أحد فيقول إن هذه تعاليم نبي الإسلام لأهل الإسلام، وإن غير أهل الإسلام ليسوا ملزمين بها، وهذا خطأ بالطبع في القياس بين تعاليم دين وتعاليم دين آخر، لأن الأنبياء كلهم جاءوا إلى الإنسان من حيث هو إنسان، ولأن حقوق الإنسان لا يقلل من شأنها دين الإنسان، ولا جنسيته، ولا لغته، ولا لونه، ولا أي شيء من هذا النوع. حقوق الإنسان هي شكل وجوهر، وما دام الإنسان فيها هو الشكل فهو المضمون كذلك.

ولم يكن البروفسور الفرنسي ديديي فاسان، يبالغ في شيء عندما قال إن بلاده إذا كانت قد تلقت هزيمة عسكرية أمام الألمان في بدايات الحرب العالمية الثانية، فهي قد تلقت هزيمة أخلاقية في الحرب على غزة.

هذا صحيح إلى حد كبير، وإنْ كانت فرنسا قد حاولت أن تتخفف من هذه الهزيمة، إذ دعا رئيسها ماكرون إلى وقف بيع السلاح إلى إسرائيل، ثم دعا في مرة ثانية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إلى أن ينتبه إلى أنه إذا كان يسمي الحرب التي يخوضها على الفلسطينيين في غزة «حرب الحضارة» فإن ذلك لا يعني زرع الهمجية.

قال الرئيس الفرنسي ذلك فلم يَسْلَمْ في المرتين من الهجوم الإسرائيلي العنيف عليه، غير أنه كان يرى فيما يبدو أن ما جرى ولا يزال في غزة ثم في لبنان، أفدح من أن يَسكت عنه سياسي لديه الحد الأدنى من الضمير الإنساني في العالم.

ولم يكن البروفسور فاسان يقصد بلاده وحدها وهو يتحدث عن الهزيمة الأخلاقية، لأن الغرب كله يبدو في هذه الهزيمة سواء مع كل أسف، وقد تابعنا المستشار الألماني أولاف شولتس وهو يقول إنه قرر إمداد إسرائيل بما تحتاج إليه من السلاح وأنه سوف يمدها بالمزيد.

هنا لا مجال لحقوق الإنسان ولا للحديث عنها، وإذا كان لها مجال فبالقدر الذي يسع أهل الغرب وحدهم، أما إذا اتصل الأمر بالفلسطينيين الذين قُتل منهم 45 ألفاً، وأُصيب ثلاثة أضعاف هذا الرقم، وجرى تشريد الملايين من بينهم، فإن المسألة فيها قولان كما قيل، ومن شأن ذلك أن يجعل حقوق الإنسان تظهر كأنها خُلقت للغرب، وأن أهل الشرق ليس لهم فيها نصيب.

مفهوم حقوق الإنسان تضرر في هذه الحرب كما لم يتضرر من قبل، ولا أحد يعرف كيف يمكن للغرب أن يأتي بعد أن تضع أوزارها ليكلمنا عن حقوق الإنسان، أو يعطينا فيها دروساً، كما كان يفعل معنا في مرحلة ما قبل اشتعال الحرب؟

ولم يكن حظ مفهوم «الحرب خُدعة» بأفضل من حظ مفهوم حقوق الإنسان في هذه الأيام، فلا نزال نتابع المواجهات العبثية التي تتوالى بين إسرائيل وإيران، وقد كان آخرها الهجوم الإسرائيلي الذي استهدف إيران فجر السادس والعشرين من هذا الشهر.

لقد قيل عنه إن تل أبيب أحاطت طهران علماً به قبل وقوعه، وقرأنا بعده أنه تسبب في مقتل شخصين، أي إن عدد ضحاياه كان أقل من عدد ضحايا أي حادث سير عابر. ولم يكن هو وحده الذي تابعناه على هذه الصورة غير المفهومة، فهجوم إيران على إسرائيل في أول أيام هذا الشهر كان من النوعية نفسها، وكذلك الهجوم الإسرائيلي على إيران في شهر أبريل (نيسان) من هذه السنة!

لا بد أن ما بين البلدين أعقد في حقيقته من هذا العبث الظاهر بكثير، ولكننا نتحدث عمَّا نراه أمامنا، وعمَّا نتابعه، فلا يكاد العقل يستوعبه ولا يستسيغه.

كانت الحرب على غزة سبيلاً إلى إسقاط مفاهيم كثيرة عشنا نعرفها، وحين يهدأ غبارها سوف نرى أنه لا نهاية للمفاهيم التي تضررت في ساحتها، وأن نارها أصابت مفاهيم مستقرة بمثل ما أصابت البشر ولم تخطئ الحجر.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

حرب إسقاط المفاهيم حرب إسقاط المفاهيم



GMT 21:27 2026 الإثنين ,25 أيار / مايو

يؤانا إقلاديوس!

GMT 21:25 2026 الإثنين ,25 أيار / مايو

الدراسات المستقبلية

GMT 21:24 2026 الإثنين ,25 أيار / مايو

بكين …!

GMT 21:23 2026 الإثنين ,25 أيار / مايو

شعرة معاوية الإيرانية

GMT 21:22 2026 الإثنين ,25 أيار / مايو

مصريتنا حماها الله

GMT 21:20 2026 الإثنين ,25 أيار / مايو

استعدادات كبرى للحج!

GMT 21:19 2026 الإثنين ,25 أيار / مايو

الجانب الناقص

GMT 22:09 2026 الأحد ,24 أيار / مايو

استحمَّت في مغطس هتلر

يارا السكري تخطف الأنظار بإطلالات راقية في مهرجان كان 2026

القاهرة - صوت الإمارات
واصلت يارا السكري تأكيد حضورها كواحدة من أكثر النجمات الشابات أناقة خلال مشاركتها في فعاليات مهرجان كان السينمائي 2026، حيث لفتت الأنظار بسلسلة من الإطلالات الراقية التي جمعت بين البساطة والفخامة، واعتمدت خلالها تصاميم مجسّمة أبرزت رشاقتها بأسلوب أنثوي ناعم وعصري. وفي أول ظهور لها على السجادة الحمراء للمهرجان، تألقت يارا بفستان أبيض طويل بدون أكمام بقصة مستقيمة مجسّمة، تميز بتفاصيل الدرابيه الهندسية عند منطقة الخصر وانسدل بذيل ناعم منح الإطلالة طابعاً ملكياً راقياً. ونسقت معه مجوهرات ماسية فاخرة وتسريحة الكعكة العالية مع مكياج نيود هادئ ركز على إبراز ملامحها الطبيعية. كما ظهرت خلال إحدى الأمسيات الخاصة بإطلالة سوداء كلاسيكية، اختارت فيها فستاناً مجسماً بقصة الكورسيه والكتفين المكشوفين، مع ياقة هندسية عصرية أضافت لمسة ...المزيد

GMT 11:39 2020 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

حظك اليوم برج العذراء الأثنين 30 تشرين الثاني / نوفمبر2020

GMT 00:23 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

يحاول أحد الزملاء أن يوقعك في مؤامرة خطيرة

GMT 11:47 2020 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

كن قوي العزيمة ولا تضعف أمام المغريات

GMT 12:08 2020 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

يتناغم الجميع معك في بداية هذا الشهر

GMT 19:19 2019 الثلاثاء ,18 حزيران / يونيو

الأهلي السعودي يرفض الاستغناء عن دياز

GMT 08:11 2015 الثلاثاء ,01 أيلول / سبتمبر

العاصفة المدارية "إريكا" تفقد قوتها فوق شرق كوبا

GMT 19:49 2017 الجمعة ,22 كانون الأول / ديسمبر

وصفة رائعة للحصول على بشرة نقية وصافية

GMT 15:02 2014 الأحد ,28 كانون الأول / ديسمبر

طقس مصر مائل للبرودة شمالاً معتدل جنوبًا الإثنين

GMT 15:11 2017 الثلاثاء ,11 إبريل / نيسان

اليك وسائل لنظام غذائي يحقق فقدان الوزن

GMT 01:08 2019 الجمعة ,11 تشرين الأول / أكتوبر

طرق مختلفة لتزيين جدران المنزل باللوحات

GMT 22:05 2018 الإثنين ,24 كانون الأول / ديسمبر

فتاة هندية تعود إلى منزلها بعد اختفائها لمدة 4 أيام

GMT 21:10 2018 الإثنين ,29 تشرين الأول / أكتوبر

ساعات تحاكي شغفك بالقطع الفريدة المثيرة للاهتمام

GMT 15:01 2018 الأربعاء ,24 تشرين الأول / أكتوبر

أماكن سياحية لقضاء شهر عسل مُميز في الخريف

GMT 05:26 2018 الخميس ,11 تشرين الأول / أكتوبر

حنان مطاوع تنتهي من تصوير فيلم "يوم مصري"

GMT 00:43 2015 الثلاثاء ,22 كانون الأول / ديسمبر

خطة طموحة لخفض الانبعاثات الكربونية في الدنمارك بحلول 2020

GMT 22:32 2014 الثلاثاء ,02 أيلول / سبتمبر

نور الشريف يتحدث عن مسيرته الفنيَّة مع مدحت العدل

GMT 00:02 2015 الأربعاء ,14 تشرين الأول / أكتوبر

ارتفاع عدد ضحايا انهيار التربة في ميانمار إلى 17 قتيلًا
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates