الشرق الأوسط ومعضلة الاستقرار

الشرق الأوسط ومعضلة الاستقرار

الشرق الأوسط ومعضلة الاستقرار

 صوت الإمارات -

الشرق الأوسط ومعضلة الاستقرار

بقلم : يوسف الديني

في مشهد الشرق الأوسط المعاصر، لا يمكن الحديث عن أي تحول استراتيجي حاسم من دون التطرق إلى معضلة الاستقرار المزمنة التي تعصف بالمنطقة. فكل محاولة لـ«إعادة ترتيب البيت» بعد الأزمات الكبرى، من غزة إلى دمشق، تصطدم بجدار اللاحسم: لا حسم في مواجهة العبثية الإسرائيلية والوحشية المتكررة في غزة، والتعدي على السيادة في باقي ملفات المنطقة المفتوحة برسم فوضى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

ما نشهده اليوم في المنطقة غير مسبوق، ولا يُعبر عن غياب حلول، بل تعليقها وتعليق الحلول، سياسياً، لا يعني تجميد الأزمة بل تحويلها إلى مستودع دائم للتطرف من نشوء وصعود المجتمعات الأصولية الغاضبة التي ترحّل أزماتها في البحث عن الاستقرار إلى محاولة فرضه على طريقة الغنيمة، والحق يقال بعيداً عن كل المفاهمات السياسية التي تجترحها دول المنطقة رغبة منها في عدم فتح أزمات جديدة لمنطقة لم تحتمل الفوضى، إلا أننا إزاء مشهد يشي بمعمل مفتوح ومتجدد لإعادة إنتاج الفوضى. فالبيئة الرمادية التي تُركت فيها مناطق التوتر من دون رؤية واضحة أو استراتيجية «المابعد»، فضلاً عن أبجديات بناء عقد اجتماعي يشمل جميع المكونات، لن يفرز ذلك إلا مزيداً من العنف والتجنيد العقائدي والطائفي، ولن يؤدي بالضرورة والحتمية التاريخية إلا إلى هشاشة الاستقرار ما بعد فترات النزاع.

وفي التفاصيل وعلى الرغم من أن الحكومة الجديدة في بيروت تبدي إرادة سياسية واضحة وجادة لتفكيك نفوذ «حزب الله»، ومع ذلك فإنها تُترك وحيدة من قِبل المجتمع الدولي والدول الكبرى في مواجهة تركة ثقيلة من اقتصاد منهار وسلاح خارج الدولة ومؤسسات مخترقة. وفي سوريا، تحاول الحكومة المؤقتة على الأقل في تصريحاتها المعلنة التأسيس لمرحلة سياسية جديدة، بعد أن نالت دعم جميع جيرانها ومحيطها، لكنها تواجه بدورها بيئة دولية باردة، وعقوبات خانقة، وانعداماً للثقة الغربية لأسباب تتطلب رؤية للخروج من النفق الذي لا يمكن أن يحدث من دون أن يولد الحل في الداخل السوري وبمساهمة كل المكونات، وأيضاً بمساعدة دول الاعتدال لتجسير الهوة التي تتفاقم حول أسئلة لا يمكن تأجيلها من المقاتلين الأجانب، وصولاً إلى التمثيل العادل. وفي اليمن فإن مواجهة الحوثي من قبل الولايات المتحدة أو حتى إسرائيل بعد حادثة استهداف المطار ومن دون التفكير في دور للشرعية اليمنية ودول الاعتدال وفي مقدمتها السعودية، هي إعادة إنتاج لمعضلة الحل على طريقة الوجبات السريعة وردود الأفعال، التي يعرف الخبراء نتائجها منذ أفغانستان ومروراً بالعراق.

مرحلة «الاستقرار» حتى في المفهوم الكلاسيكي للعقيدة العسكرية الأميركية هي الأكثر حساسية بعد العمليات الحربية، لأنَّها تُعنى بإعادة الأمن، وإنعاش الاقتصاد، وترميم العقد الاجتماعي. لكنها اليوم المرحلة التي يُغيب عنها الفعل السياسي الدولي لصالح التكتيكات العسكرية القصيرة المدى، ولذلك فإن أي استراتيجية من دون تدخل مدني منظم، واستثمار دولي في إعادة البناء السياسي والمؤسسي، فإن أي نصر عسكري سرعان ما يتحول إلى عبء أمني جديد.

هذا الفراغ الكبير الذي يتعاظم في الشرق الأوسط لا يمكن أن يمر من دون تكلفة باهظة الثمن، وما يزيد المشهد تعقيداً هو أن قوى أصولية باتت قادرة على «ترتيب نفسها»، والتحول إلى مجتمعات ضاغطة، عبر تحالفات ظرفية مع بعض القوى المتنافسة معها أو سلطات الأمر الواقع، أو من خلال إعلاء خطابات سياسية شكلانية للإعلام والاستهلاك الدولي وممارسات متطرفة على مستوى الحياة اليومية يخفي وراءه نيات للقوى الفاعلة لمشروع لا يمكن أن يبنى على المواطنة مع حضور اللغة العقائدية والطائفية، لأنه مشروع ببساطة، قائم على معضلة تاريخية لهذه المنطقة «فكرة الغنيمة لا الدولة، والاستحواذ لا المشاركة».

هناك كثير من التشاؤم تجاه مقاربة ولاية الرئيس الأميركي دونالد ترمب الثانية، حيث لا يزال مأخوذاً بفكرة الضغط القصوى من دون تقديم بدائل واقعية. فالعقوبات التي تُشدد على اللاعبين المحليين غالباً ما تُضعف المجتمعات لا الأنظمة، وتترك الباب مفتوحاً أمام القوى غير النظامية لتعويض غياب الدولة يعيد تدوير الأزمات بدل حلّها.

المفارقة أن بعض الأنظمة، خصوصاً تلك التي نشأت في فراغات ما بعد الحرب، تجد نفسها عالقة بين متطلبات الاستقرار الذي تريده الدول الكبرى، وبين ضغط جمهور تحالف معها على أسس مناهضة لمنطق الدولة ذاته. هذه الأنظمة عاجزة عن الحسم لأنَّها رهينة لتفاهمات هشّة بين سلاح غير شرعي ودعم خارجي غير مشروط، بينما تخسر تدريجياً شرعيتها الداخلية.

إن الاستقرار في الشرق الأوسط لن يُنتَج من غرف العمليات العسكرية ولا عبر العقوبات الاقتصادية فقط، بل هو مشروع طويل الأمد يتطلب مقاربة شاملة تُدمج فيها التنمية مع السيادة، والدبلوماسية مع الأمن، والمصالحة مع العدالة الانتقالية. وهي معادلة صعبة لكنها ليست مستحيلة.

في الختام، تقف المنطقة اليوم بين نموذجين متناقضين: نموذج تنموي يراهن على الإنسان والمواطنة والازدهار بقيادة السعودية، ونموذج أصولي يحاول إعادة بناء السلطة السياسية عبر شبكات ما قبل الدولة، قائم على الغنيمة والتعبئة الآيديولوجية. بين هذين الخيارين، تبرز معضلة الاستقرار كأهم تحدٍ استراتيجي في الشرق الأوسط. فإما استثمار هذه اللحظة المفصلية لبناء شرق أوسط جديد، وإما ترك الأزمات معلقة، فتتحول إلى قنابل موقوتة تنفجر في وجه الجميع.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الشرق الأوسط ومعضلة الاستقرار الشرق الأوسط ومعضلة الاستقرار



GMT 21:27 2026 الإثنين ,25 أيار / مايو

يؤانا إقلاديوس!

GMT 21:25 2026 الإثنين ,25 أيار / مايو

الدراسات المستقبلية

GMT 21:24 2026 الإثنين ,25 أيار / مايو

بكين …!

GMT 21:23 2026 الإثنين ,25 أيار / مايو

شعرة معاوية الإيرانية

GMT 21:22 2026 الإثنين ,25 أيار / مايو

مصريتنا حماها الله

GMT 21:20 2026 الإثنين ,25 أيار / مايو

استعدادات كبرى للحج!

GMT 21:19 2026 الإثنين ,25 أيار / مايو

الجانب الناقص

GMT 22:09 2026 الأحد ,24 أيار / مايو

استحمَّت في مغطس هتلر

الفستان البليسيه الأبيض يتصدر إطلالات إليسا المميزة

بيروت - صوت الإمارات
تواصل الفنانة إليسا جذب الأنظار ليس فقط بصوتها وحضورها الفني، بل أيضًا باختياراتها الأنيقة التي تعكس ذوقًا راقيًا وشخصية واثقة. ومع عودتها إلى إحياء الحفلات الغنائية واستئناف نشاطها الفني خلال الفترة الأخيرة، برزت مجموعة من الإطلالات المميزة التي تألقت بها على المسرح، حيث تنوعت تصاميمها بين الكلاسيكية الراقية واللمسات العصرية الجذابة. وفي أولى حفلاتها بعد فترة من التوقف، ظهرت إليسا بفستان سهرة سترابلس من الحرير باللون النيود الدافئ، جاء بقصة ميدي مستقيمة أبرزت أناقتها المعتادة، قبل أن تستبدل حذاءها ذي الكعب العالي بحذاء رياضي مريح خلال الحفل بسبب شعورها بالإرهاق الناتج عن إصابة سابقة في القدم. وأكملت إطلالتها بمجوهرات ذهبية مرصعة وشعر مموج منسدل على كتفيها. كما تألقت في مناسبة أخرى بفستان مجسم باللون النيود الفاتح، تم...المزيد

GMT 11:31 2020 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

حظك اليوم برج العقرب الأثنين 30 تشرين الثاني / نوفمبر2020

GMT 15:06 2017 الثلاثاء ,19 كانون الأول / ديسمبر

شيفروليه تطلق الجيل الجديد من سلفرادو 2019

GMT 01:35 2014 السبت ,06 كانون الأول / ديسمبر

"البنتاجون" يعترف بارتفاع الاعتداءات الجنسية في الجيش

GMT 19:15 2018 الخميس ,08 شباط / فبراير

برشلونة يستخدم ميسي في فيلم رسوم متحركة

GMT 02:11 2018 الخميس ,08 شباط / فبراير

شروق سمير تستعد لإحياء عيد الحب في حضن الصعيد

GMT 10:51 2013 الثلاثاء ,12 شباط / فبراير

ارتفاع مساحات البناء المرخصة خلال 2012 في الأردن

GMT 13:39 2017 الإثنين ,04 كانون الأول / ديسمبر

أفكار مميزة لتزين غرفة الطعام في فصل الخريف

GMT 08:29 2014 الثلاثاء ,23 أيلول / سبتمبر

اليابان تؤجل زيارة فلاديمير بوتين تحت ضغوط أميركية

GMT 15:49 2017 السبت ,07 تشرين الأول / أكتوبر

المطربة الشابة نجلا تنعى شقيقتها التوأم نورلين

GMT 21:52 2020 الخميس ,24 أيلول / سبتمبر

أماكن إقامة ذات إطلالات ساحرة في نيويورك

GMT 13:54 2020 الأحد ,12 كانون الثاني / يناير

انطلاق أولى حلقات "كله بالحب" لمسلسل "نصيبي وقسمتك"
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates