صور لها حكايات بطاقة هوية لامتحان التوجيهية

صور لها حكايات.. بطاقة هوية لامتحان التوجيهية

صور لها حكايات.. بطاقة هوية لامتحان التوجيهية

 صوت الإمارات -

صور لها حكايات بطاقة هوية لامتحان التوجيهية

بقلم - جميل مطر

 

الصورة لبطاقة هوية كانت تصدر للطالب المتقدم لامتحان التوجيهية، الامتحان الذى كانت تنظمه وتشرف عليه الدولة لطلاب السنة الخامسة فى المرحلة الثانوية. أذكر أنه كان لهذا الامتحان مكانته الأدبية الرفيعة وأهميته التعليمية إذ كان لبعض الناس وبخاصة فى معظم المدن عواصم المحافظات الريفية أو النائية بمثابة الترخيص للشاب بالتقدم لشغل وظائف حكومية وبحمل لقب أو صفة الأفندى.

• • •

وجدت صورة البطاقة بين صور غير قليلة ظهرت فيها منفردًا أو مع العائلة أو أصحاب الحى والمدرسة، هالنى فى البطاقة ما عكسته الصورة من براءة خجولة بدت على وجه صاحبها، أو لعلها المناسبة التى كانت تؤذن بنهاية مرحلة اختلطت فيها نهايات الطفولة بطلائع المراهقة. أظن أن دلائل غير قليلة فى واقع الحال أى فى خارج الصورة كانت تشير إلى أن النهايات رفضت أن تستسلم لمصيرها وأن الطلائع تأخرت فى فرض نفسها.

• • •

كنا فى المصيف، كعادة العائلة فى صيف كل عام. لم يختلف الأمر فى هذا الصيف عن الصيف الأسبق حينما خرج أبى وأخى الأكبر بحثًا عن الصبى بائع الصحف المنادى على ملحق جريدة البلاغ التى تعودت نشر نتيجة الامتحانين الأهم وهما «شهادة الثقافة» وشهادة «التوجيهية»، وكان امتحان شهادة الثقافة تجريه الدولة لطلاب السنة الرابعة الثانوية اختبارا لقدراتهم واستعدادهم للتخصص وترخيصًا لهم بالعمل فى وظائف معينة بالحكومة.

• • •

اجتمعت العائلة للاحتفال بنجاحى فور اطلاعنا على النتيجة فى ملحق «البلاغ». حضر الاجتماع أخى وكان وقتها ضابطًا بحريًا ملحقًا باليخت الملكى «المحروسة» مسئولاً عن حسابات اليخت، حضرته أيضا أمى وأختى وزوجها وكان وقتها أستاذًا لمادة الجغرافيا الاقتصادية بكلية التجارة بالجامعة، جامعة فؤاد الأول بالجيزة. رشحت نفسى فى مجلس العائلة للتقدم بطلب الالتحاق بالكلية البحرية التى تخرج قباطنة للسفن التجارية. وافق أخى ووافق أبى الذى لم يتعود أن يرفض لى طلبًا. مرة أخرى أكشف عن ميلى المتجدد والصريح للسفر، مرة أخرى تستخدم أمى حقها فى النقض. «ابنى ما يسافرش بعيد عنى، كفاية إن بنتى عاشت سنين فى بغداد». وبالفعل استقر الرأى على الالتحاق بكلية التجارة لدراسة العلوم السياسية، تفضيلى الثانى وعينى على العمل بوزارة الخارجية.

• • •

قضيت زمنًا محتفظًا ببطاقة هوية امتحان التوجيهية مطمئنا إلى أننى أحمل ما يثبت رسميا أننى تجاوزت مرحلة ودخلت مرحلة مختلفة. ظلت البطاقة تذكرنى بأيام كنت أظن أنها من أحلى أيام العمر. حتى شهور المذاكرة المكثفة الممهدة للامتحان كان لها مذاق محبب.  كنت أسهر ومعى كتابى أو كراستى فى بلكونة تطل على بلكونات عديدة كلها مضاءة بالليل وكلنا «كتلامذة شهادة أو غيرها» نعتقد أن هذا النوع من التضامن يشجعنا على السهر والتحصيل. الآن أنا متأكد من أن هذا السهر كان وراء تمتين العلاقة بيننا وبين أمهاتنا. أمى كانت تقضى ليالى المذاكرة وحتى نسقط إعياء وهى تعد لنا أكواب الشاى وغيره من المنبهات وأنواعًا شتى من المأكولات الخفيفة. كثيرا ما كانت تفاجئنى بطلب إغلاق «الشيش» بحجة منع دخول الحشرات الطائرة وفى الحقيقة كان وراء طلبها الحذر الدائم تجاه ابنة الجيران التى كانت «تذاكر« دائما فى بلكونة شقتها المطلة على بلكونتنا وتتبادل معى التشجيع بالإشارة فى وقت لم يكن التليفون يبيت خارج غرف نوم الآباء والأمهات.

• • •

كانت أيام امتحان التوجيهية مختلفة عن أيام امتحانات النقل العادية. كنا فى الأيام العادية نخصص منها ليلة لا تتغير للذهاب جماعة، أقصد شباب الحى، إلى السينما الصيفية. نذهب أحيانًا صبيانًا وبنات فى صحبة أمهاتنا. هناك نقضى ساعات ممتدة، فمثلاً فى شهر رمضان نكون فى السينما بعد الانتهاء من تناول الإفطار حتى قبل السحور بقليل. وفى غير شهور المذاكرة المكثفة كان مقررًا أن يخصص يوم الجمعة لزيارة بعض الأهل من كبار تجار سيدنا الحسين إن اصطحبنى الوالد أو زيارة البيت الكبير فى شارع مرجوش، أقصد أمير الجيوش بالجمالية، إن اصطحبتنى أمى.

• • •

أذكر بكل السرور ظروف تنشئتى السياسية. أذكر تدريبنا فى المدرسة الابتدائية ابتداء من شهر ديسمبر على إلقاء الأناشيد الوطنية منها أناشيد متخصصة فى حب الملك. نتدرب كمجموعة مختارة ساعة قبل بدء طابور المدرسة ثم بوتيرة مكثفة مع اقتراب شهر فبراير حين يقع عيد ميلاد جلالته ومرة أخرى مع شهر مايو حين يحل عيد جلوسه على عرش مصر. من ناحية أخرى لم يقصر الوالد. كان معتزًا، بل شديد الاعتزاز بأنه كان شاهدًا على بعض أحداث ثورة 1919 وفخورًا بصداقاته بسياسيين مشهورين. كان فخورا فى الوقت نفسه بصفات أو بأنواع من السلوكيات الاجتماعية اتصفت بها أو التزمتها فى المظهر وربما فى الجوهر وإن لم أمارسها لمجرد إرضائه ولكن لإعجابى بها وأنا أرى وأراقب التزامه بمثلها.

• • •

كانت الخديوى إسماعيل أكثر من مجرد مدرسة. كانت صرحًا لتعليم فنون الخطابة والمسرح والقيادة فضلاً عن أن وجودى فيها كان فى مرحلة سياسية شديدة التأثير والتفاعل. حفلت المدرسة بطلاب فى السنوات النهائية تخصصوا فى ممارسة الإثارة وإشعال فتيل المظاهرات. أذكر أنهم كانوا يتدربون بين الحصص وفى حضورنا نحن تلاميذ السنوات الدراسية المبكرة.  كنا ننبهر ونمشى وراءهم ونستجيب لأول إشارة تدعونا للخروج من فصولنا معبأين بالحماسة اللازمة والأصوات «المسرسعة» المدربة على اختراق جدران الفصول لتجتمع جماهير التلاميذ تطالب بفتح باب المدرسة للخروج إلى الشارع. كانت دوافع ومحركات التظاهر دائما متوافرة. كان الإنجليز ما يزالون فى معسكرات قصر النيل قبل أن ينتقلوا إلى معسكراتهم فى فايد وغيرها من معسكرات القناة. كان الفساد السياسى حديث كل الناس وعجز الأحزاب واضح وضوح الشمس. كانت قوات الأمن تستعمل فى التعامل مع التلاميذ أساليب قمعية عنيفة، علما بأن الغالبية العظمى من هؤلاء التلاميذ كانوا دون العشرين من العمر. كنا فخورين بأن مدرستنا تصنف أمنيا ضمن فئة المدارس الأكثر ثورية والأقوى تنظيما وكفاءة فى التحشيد، أقصد فئة السعيدية والإبراهيمية والتوفيقية والخديوية.

• • •

أظن أننى خرجت من المرحلة الثانوية جاهز التكوين سياسيا بفضل حكايات أب مسيس بطريقة بورجوازية العصر، وحيوية مجتمع يتحول متأثرا بمتغيرات ما بعد الحرب العالمية، وطبيعة مدرسة ثانوية «ملكية النشأة» راديكالية المشوار، وقدرات مدرسين اثنين أحدهما مصرى درس لى التاريخ حسب عقيدته السياسية والثانى مدرس مغربى مطرود من بلاده لسبب سياسى.

• • •

وضعت الهوية جانبًا إذ لمحت بطرف عينى صورة بين الصور الأقدم تاريخًا أثارت على الفور رغبة مشددة فى الإمساك بها وقراءة ما تقول.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

صور لها حكايات بطاقة هوية لامتحان التوجيهية صور لها حكايات بطاقة هوية لامتحان التوجيهية



GMT 01:24 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

أجمل هدف لم يأتِ فى الدورى!

GMT 01:22 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

مشهد رخيص من موسكو

GMT 01:20 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

كروان السينما «المُلك لك لك لك»

GMT 01:17 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

سنة أولى برلمان

GMT 01:15 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

جنوب لبنان بين الإسناد والسند

GMT 01:13 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

السيادة الوطنية... مبدأ تحت الحصار

GMT 01:11 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

عبد الرحمن الراشد... ومشروع «النَّاصرية»

GMT 01:08 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

البيت الأبيض وامتياز التفاوض

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض - صوت الإمارات
سجّلت النجمات السوريات حضوراً لافتاً في حفل Joy Awards 2026، حيث تحولت السجادة البنفسجية إلى مساحة استعراض للأناقة الراقية والذوق الرفيع، في مشاركة حملت رسائل فنية وجمالية عكست مكانة الدراما السورية عربياً. وتنوّعت الإطلالات بين التصاميم العالمية الفاخرة والابتكارات الجريئة، في مزيج جمع بين الكلاسيكية والعصرية، وبين الفخامة والأنوثة. كاريس بشار خطفت الأنظار بإطلالة مخملية باللون الأخضر الزمردي، جاءت بقصة حورية أبرزت رشاقتها، وتزينت بتفاصيل جانبية دقيقة منحت الفستان طابعاً ملكياً. واكتملت إطلالتها بمجوهرات فاخرة ولمسات جمالية اعتمدت على مكياج سموكي وتسريحة شعر كلاسيكية مرفوعة، لتحتفل بفوزها بجائزة أفضل ممثلة عربية بحضور واثق وأنيق. بدورها، أطلت نور علي بفستان كلوش داكن بتصميم أنثوي مستوحى من فساتين الأميرات، تميز بقصة مكش...المزيد

GMT 15:06 2017 الثلاثاء ,19 كانون الأول / ديسمبر

شيفروليه تطلق الجيل الجديد من سلفرادو 2019

GMT 20:23 2019 الخميس ,11 تموز / يوليو

تعرف على أفضل الفنادق الاقتصادية في الرياض

GMT 22:14 2018 السبت ,10 تشرين الثاني / نوفمبر

رامسي ينتقل إلى "روما" مقابل مهاجمه باتريك تشيك

GMT 01:34 2021 الثلاثاء ,30 آذار/ مارس

إتيكيت التعامل مع الجار في زمن الكورونا

GMT 05:38 2019 الأربعاء ,23 كانون الثاني / يناير

انجذاب النساء للرجل مَفتول العضلات "موضة مُستحدثة"

GMT 17:06 2018 الأحد ,25 تشرين الثاني / نوفمبر

طرق لاستخدام الزنجبيل للصداع والسعال والغثيان

GMT 14:04 2019 السبت ,23 آذار/ مارس

"دي إس 3" الجديدة بقوة 100 حصان وسعة 1.5 لتر

GMT 22:51 2019 الإثنين ,18 شباط / فبراير

منصور بن زايد يستقبل رئيس مجلس الشورى السعودي

GMT 20:36 2019 الثلاثاء ,12 شباط / فبراير

نصائح وماركات عالمية للعناية اليومية بالبشرة

GMT 18:11 2018 الجمعة ,23 تشرين الثاني / نوفمبر

إليكِ أسرع مكياج يومي رائع بثلاثة مستحضرات فقط

GMT 16:03 2018 السبت ,21 تموز / يوليو

خصم على السيارات بعد صفقة مع " Leasing"

GMT 09:00 2017 الأربعاء ,27 كانون الأول / ديسمبر

عمرو الليثي يستضيف علي الحجار في برنامج "بوضوح"

GMT 08:23 2014 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

دراسة تثبت أن أغلب النباتيين لا يتحملون الحميات الغذائية

GMT 03:54 2020 الإثنين ,22 حزيران / يونيو

مايكروسوفت تُحرج أبل بتهمة خطيرة في توقيت صعب
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates