بقلم: عمرو الشوبكي
عادت الاحتجاجات مرة أخرى إلى فرنسا ودعت النقابات العمالية والطلابية ومنظمات مدنية وأهلية إلى التظاهر أمس السبت وخرج مئات الآلاف مطالبين بتحسين ظروف عملهم ورفع الحد الأدنى للأجور، كما رفض الطلاب التنازلات التى قدمتها لهم الحكومة واعتبروها غير كافية.
والحقيقة أن احتجاجات فرنسا لا تعكس فقط أزمة اقتصادية وسياسية أو جيليه تمر بها البلاد إنما أيضا أو أساسا ثقافة أخرى قائمة على انتزاع الحقوق والندية تجاه السلطة وثقة المواطن فى قدرته على الدفاع عن مصالحه عبر الاحتجاج، وانتزاع حقوقه، وهو ما يختلف تماما عن ثقافة المناشدة وأحيانا التوسل والاستجداء لا الضغط من أجل الحصول على حق أو تحسين ظروف العمل والمعيشة.
إن من يتابع طريقة عرض قيادات الحركة الطلابية فى فرنسا لمطالبهم وتقديمها أمام كبار المسؤولين تشير إلى أنهم لا ينتمون مطلقا لثقافة الاستجداء والمناشدة التى نعرفها فى بلادنا، فقد اجتمع الأسبوع الماضى قيادات الاتحادات الطلابية ومندوبين عن الطلاب مع رئيس الحكومة وتحدثوا عن مشاكل نظام التعليم واستجابت الحكومة فعلا لجانب من هذه المطالب ورصدت الحكومة ٤ مليارات يورو لتجديد المبانى وتعيين مدرسين جدد وتقليل كثافة الفصول لتصل إلى ٢٨ طالبًا بدلا من ٣٥، ومع ذلك اعتبرها الطلاب تنازلات غير كافية، وأعلنوا رفضهم لها والتظاهر من أجل الحصول على المزيد.
والمدهش أن كثيرًا من هؤلاء الطلاب الذين استضافتهم العديد من القنوات التليفزيونية، تكلموا بلغة فرنسية رفيعة وبكلام منظم واضح ورفضوا أداء الطبقة السياسية كلها، ماعدا حزب أقصى اليسار، ورفضوا توجهات الرئيس، وفى نفس الوقت أدانوا العنف الذى حدث فى بعض المناطق، كل ذلك يشير إلى أن مستوى تعليمهم فى المدارس الحكومية ودرجة تمكنهم من اللغة جيد جدا ومتماسك، فرغم مشاكل التعليم العام إلا أنه لايزال قادرا على أن ينتج طلابا متعلمين تعليما جيدا وقادرين على الضغط والتظاهر من أجل انتزاع حقوقهم دون توسل أو مناشدة.
والحقيقة أن إدارة العلاقة بين النظم القائمة والطبقات والفئات الاجتماعية تختلف من ثقافة إلى أخرى ومن نظام سياسى إلى آخر، فكما شهدنا فى فرنسا فإن القانون يضمن الاحتجاج السلمى وحرية العمل النقابى والحزبى، وبالتالى يكون جانب من إدارة الصراع المجتمعى عبر الاحتجاج السلمى الذى صار ثقافة متأصلة أكثر منها مجرد احتجاج.
إن الاحتجاج فى أوروبا وخاصة فى فرنسا ليس مجرد تجمع من الناس من أجل التظاهر فى الشوارع ضد التضخم أو ارتفاع الأسعار إنما هو ثقافة منظومة متكاملة أطرافها مؤسسات دولة القانون المهنية والمحايدة، والشعب والرأى العام، وكلاهما قادر على ضبط هذه الاحتجاجات فى الاتجاه الصحيح، حتى لو شهدت أحيانا حوادث عنف مقلقة، فإن المنظومة الدستورية والقانونية القائمة قادرة على تصويبها ومحاسبة المخطئين والمخربين فيها.